السلمي

57

المقدمة في التصوف

- وفي المرّة الثالثة : لم أر البيت ولا ربّ البيت . فكان الحاصل من مقالته ، ومن اعتبار حاله . - أن حجته الأولى : من حج العوام في سائر الأعوام . - وأن الثانية : كانت في بداية مقام الفناء « 1 » ، ففني عن رؤية كل محسوس فلم ير أحدا أحق بالوجود من اللّه تعالى وهذا معنى قوله : رأيت ربّ البيت ولم أر البيت . وإلّا فربّ البيت لا يجوز أن يرى في الدنيا . - وكانت نفسه في الحجة الثالثة ليست موجودة معه حتى يرى بها شيئا ، ففني في فناء قرب الحق تبارك وتعالى فناء كليا وأشار إليه القائل : فيفني ثمّ يفني ثمّ يفني * فكان فناؤه عين البقاء ففي مثل هذه الغيبة يحصل الحضور ، وقد دلّت الأدلّة على أن الأنبياء يسيرون في الكون . هذا ما رويناه في كتاب « الإعلام بحكم عيسى عليه السلام » « 2 » . لجلال السيوطي : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يطوف بالبيت خفية ، فسلم على شيء في الهواء ، فسئل عن ذلك فقال : رأيت عيسى بن مريم يطوف بالبيت فسلّم عليّ وسلّمت عليه . فاستقر الحال على أن عيسى عليه السلام كما قال الحافظ السيوطي والذهبي وغيرهما نبي ، ورسول ، وصحابي ، وأنه أفضل الصحابة وأن الأنبياء والمرسلين يسيرون في الكون لنفعهم ونفع العباد . وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ملأ العوالم كلها ، العلوية والسفلية ، لأنه لو لم يكن الأمر كذلك لزم منه أنه متى سار يصير قبره خاليا منه ، ويكون الزائر إنما يزور الضريح فقط . وهذا لا يقول به أحد .

--> ( 1 ) الفناء : هو اضمحلال ما دون الحق علما ثم جحدا ، ثم حقا ، وورقته الأولى فناء المعرفة ، والثانية : فناء شهود الطلب لإسقاطه ، وفناء شهود المعرفة لإسقاطها ، وفناء شهود العيان لإسقاطه . الثالثة : الفناء عن شهود الفناء . الفناء هو أن يفنى عن كل ما سوى اللّه باللّه ولا بد وأن تفنى في هذا الفناء عن رؤيتك فلا تعلم أنك في حال شهود حق ، إذ لا عين لك مشهودة في هذا الحال . ( اللطائف الإلهية بتأليفنا ) . ( 2 ) طبع ضمن كتاب « الحاوي للفتاوي للسيوطي ) .